التفسير العلمي للأكل العاطفي
بحالة ضغط نفسي، يتغلب الاكل العاطفي والغير واعي على بعض الناس، بغض النظر عن مدى وعيهم ومحاولتهم بالحفاظ على نظام اكل صحي ومتوازن. فهم يلجأون للطعام على أمل أن يُحسِن مزاجهم ويعطيهم شعور بالامان، ويستهلكون كميات مفرطة من الحلويات او الطعام المالح والدهني والمُصنع، وغالبًا ما ينتهي الامر بشعورهم بعدم راحة في اجسادهم وتأنيب الضمير. يصعب الحفاظ على علاقة صحية مع الطعام عندما نستخدمه كوسيلة للتكيُف مع الضغط النفسي والاحباط. ولكن لماذا يلجأ بعض الناس للأكل العاطفي بينما يفقد الآخرون شهيتهم؟ هل مبنى ادمغتنا مُختلف؟
كيف يؤثر التوتر على شهيتنا؟
في حالة توتر، ردة الفعل الطبيعية لدى جميع الثديات ومن ضمنهم الانسان، هي فقدان الرغبة في تناول الطعام! الضغط النفسي يؤدي إلى افراز هرمون الكورتيزول، وبالتالي يبعث إشارات للدماغ بإقفال جهاز الهضم. هذا يعني أنه من ناحية بيولوجية، في حالة ضغط، من الطبيعي أن نفقد الشهية والرغبة بالاكل. الحيوانات، على سبيل المثال، تضرب عن الطعام عندما تشعر بأي نوع من التوتر، سواء كان مرض أو خوف. وهذا يفسر أيضًا لماذا بعض الأشخاص يفقدون الشهية وقد يخسروا الكثير من الوزن بعد تعرضهم لصدمة جسدية أو عاطفية.
ومع هذا، في حياتنا المعاصرة، يشكو غالبية الناس من الاكل العاطفي والمفرط عندما يكونوا في حالة ضغط، وهذا مناقض تمامًا لردة الفعل الفسيولوجيّة التي صُمم الجسم للقيام بها. يحدث هذا الرد العكسي عندما يتسبب هرمون الكورتيزول الى ارتفاع الأنسولين في الدم، مما يؤدي إلى ازدياد شهيتنا ورغبتنا بالأكل، بغض النظر عن تعطُل جهازنا الهضمي. التوتر يخلق رغبة شديدة في تناول الطعام، وبالتالي نفقد قدرتنا على الشعور بالشبع. نشتهي اكثر، ونأكل أكثر، ولا نستطيع التوقف عن التفكير في الاكل.
لماذا ممنوع مكافأة الأطفال بالطعام؟
بغض النظر عن التغيرات الكيميائية التي تدفع المخ لطلب الاكل باستمرار، فإن لتربيتنا تأثير كبير على عادات اكلنا. اغلبنا، بشكل واعي أو لا واعي، تربوا منذ الصغر في بيوت استخدمت فيها الحلويات والتسالي كمكافأت. الاشخاص الذين تعودوا على الحصول على بوظة او بسكوت عند احسان التصرف في طفولتهم، على الارجح ان يكونوا هم الاشخاص الذين يلجأون للبوظة او للبسكوت في مرحلة البلوغ، كلما ازدادت الضغوطات الحياتية وشعروا بتوتر. يميل هؤلاء الأشخاص للاكل العاطفي ليس لأنهم جائعون، بل بسبب التحفيز المفرط لنظام المكافأة في ادمغتهم. بكلمات اخرى، فأن الاكل العاطفي هو نتيجة لافراز مواد كيميائية عصبية في المخ والتي تعطينا شعور مؤقت بالراحة النفسية. في هذه الحالة يصبح الطعام أداة وهميّة لمعالجة الذات، فيها يُفرز هرمون الدوبامين في المخ، تمامًا كما يحدث عند تعاطي المخدرات.
باغلب الحالات، بعد تخطي الفترة الأولية من النشوة، تظهر مشاعر الذنب وتأنيب الضمير، وتبدا حلقة لا نهائية من الاكل العاطفي والإفراط في الطعام، يتبعها شعور بالندم وعادةً ما تليها محاولة بالتجويع والجلد الذاتي. استخدام الطعام كوسيلة للتكيف اصبح مقبولًا في ايامنا، فمن السهل جدًا الحصول عليه، وهو مقبولًا اجتماعيًا، فاكل قطعتين أو ثلاثة من كعكة، أسهل واقل غرابة وتنفير من تعاطي المخدرات والافراط بشرب الكحول.
بماذا يختلف الاشخاص الذين لا يلجأون للأكل العاطفي؟
وجدت الابحاث ان الفرق بين الناس الذين يلجأون للاكل العاطفي كوسيلة للتكيف مع الضغط النفسي، وبين اولاءك الذين يفقدون شهيتهم ويميلون لخسارة الوزن عند التوتر، هو انهم تربوا في بيوت كانت فيها الحلويات شيء لذيذ يأكلونه بكمية صغيرة كجزء من نظامهم الغذائي العام، وليس كمكافأة يحصلون عليها عند تحقيقهم لانجاز معين، او كوسيلة لتهدئتهم كلما شعروا بالحزن والانزعاج. علاقتهم بالطعام صحية؛ ينظرون إليه كمصدر للتغذية، وليس كوسيلة لتخدير المشاعر أو ملء فراغ عاطفي. بعكس الناس الذين يلجأون للطعام المفرط، اولاءك الذين يضربون عن الاكل، عادةً ما يفضلوا التركيز بشدة على العامل المسبب للضغط، سواء كان موعدًا نهائيًا لتسليم وظيفة أو اي موقف اخر يُشعرهم بتوتر، وهذا يجعل اجسامهم تفرز كميّة كبيرة من الأدرينالين تمكنهم من العمل بسرعة ولساعات طويلة دون الحاجة في الاكل.
هناك عدة أسباب تجعلنا ننظر للطعام كجائزة – السبب الواضح هو اننا نعلم انه مصدر طاقة ضروري لكي نعيش. السبب الثاني هو أننا غالبًا ما نربط الطعام بعلاقة شخصية؛ فهناك اكلات التي تذكرنا بشخص معين، أو مكان، أو شعور، أو ذكرى معينة. ان الافراط المتكرر في تناول الطعام كوسيلة للتعامل مع التوتر، وتعزيز هذا السلوك مرارًا وتكرارًا، يسبب بتغيير في المخ، فينتقل رد الفعل هذا إلى منطقة ‘العقد القاعدية’، وهو الجزء في المخ المسؤول عن تخزين السلوكيات والعادات، فتصبح ثابتة ومن الصعب تغييرها. تكرارنا لهذه السلوكيات يجعلها ردة فعل بديهية وآلية، ونفقد قدرتنا على ربطها بالاحساس بالمكافأة الذي كان الهدف الأولي الذي دفعنا لهذا التصرف أساسًا. فاذا عودنا انفسنا على اكل علبة بسكوت كاملة كل مرة شعرنا فيها بضغط في مكان العمل، حتى عندما نكون على علم باننا لا نشعر بجوع ولا نحتاج إليها جسديًا، فعلى الارجح اننا سنأكلها باكملها لاننا دربنا دماغنا على ذلك. الأشخاص الذين لديهم ميول للأكل العاطفي يكونوا على علم تام بان تصرفهم غير صحي ويضرهم جسديًا وسيكولوجيًا.
يعرف معظم الاشخاص الذين يلجأون للأكل أن ميولهم ضارة، لكن المشكلة أنهم غالبًا ما يركزون على الاكل العاطفي وينظرون اليه بانه المشكلة، وينسون انه مجرد الأداة التي اختاروها للتكيُف مع مشكلتهم الاوليّة؛ مع ضائقتهم العاطفية. الشعور بالعيب وتأنيب الضمير بسبب فقدان السيطرة والاكل المفرط يسلب منهم العاطفة اتجاه انفسهم والقدرة على ايجاد حل للمشكلة الحقيقية. عندما نتعامل مع انفسنا بعطف، نتمكن من ايجاد حلول مُحبه وناجعة اكثر لملء الفجوات العاطفية بطرق أخرى الطف من مُجرد تخدير أنفسنا بالطعام. لكي يحدث التغيير علينا المرور برحلة شخصية ستشمل بعض الصعوبات، وقد نواجه رغبة شديدة في الافراط بالاكل والاستسلام، ومهم من خلالها ان ننتبه إلى افكارنا والى الطريقة التي نتحدث بها مع انفسنا، ونحاول أن نفهم ما إذا كانت هذه الحوافز المتوقعة تتحول إلى أوامر نُطيعها، أم أننا قادرون على ان نتجاهلها حتى تختفي.
للتلخيص، يرتبط الأكل العاطفي بشكل أساسي بتقنيات التكيف التي نتبناها وبنظام المكافأة في الدماغ. ويتعلق الأمر أيضًا ببمرمجتنا منذ الصغر على تناول الحلويات والطعام الدسم كلما شعرنا بالحزن وعدم الراحة. نفهم من ذلك ان لوم النفس وتأنيب الضمير بعد الافراط باكل ربع كعكة الشوكولاتة لحالنا لن يحل المشكلة، ومهم ان نتذكر أن السبب وراء هذا التصرف قد يكون أعمق بكثير من مجرد ضعف ارادتنا وعدم قدرتنا على ان نقول ‘لا’.
