كيف نُحفِز العصب المبهم للتغلب على التوتر والقلق؟

الخوف والتوتر اصبحوا جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، خاصة خلال الفترة الحالية المعروفة باسم ‘كالي يوجا‘، أو عصر الظلام، حسب التقويم الهندي. هذا العصر يعرف بعصر الانحدار الأخلاقي والروحي، والفوضى، والمعاناة وازدياد العنف والجشع وحب السيطرة والتسلط، حيث ينكسر نظام الأسرة، وتتربى الأطفال مع شعور بالوحدة والعزلة ومع صدمات نفسية كبيرة. لحسن الحظ، زودتنا كتب الفيدا القديمة بأدوات مثل اليوغا والأيورفيدا لتساعدنا على التأقلم مع الصعوبات، ونحمي انفسنا من الازمات النفسية والخوف.

ما العلاقة بين التوتر النفسي والجسد؟

يؤثر القلق على بنيتنا ويؤدي إلى اضطرابات جسدية وآلام وضعف، والى تكون المرض في الجسم والعقل. تعتمد الأيورفيدا على مفهوم عناصر الطبيعة الخمسة، البانشاماهابوتا، وهم الأثير (الفراغ)، والهواء، والنار، والماء، والأرض.

فكل شيء وكل فعل وكل شعور يتكون من هذه العناصر ويحمل خواصها. الحزن، مثالًا، يعتبر شعور بارد ومُر مكون من الهواء والفراغ. بينما السعادة هي شعور دافئ وحلو مكون من النار والأرض. الخوف والتوتر هم مشاعر مكونة من عنصري الهواء والأثير، وهي تعتبر جافة ومستنزفة ومضطربة ناتجة عن نقص بعناصر الأرض والماء والنار التي تجلب الرطوبة والاستقرار والدفء والشعور بالأمان.

هل فكرت يومًا أن آلام الظهر وآلام المفاصل التي تعاني منها قد يكون سببها خوفك؟ الأيورفيدا والطب الصيني التقليدي يعتبران الكلى مقر الخوف، ولهذا السبب نشعر بالألم وثقل في منطقة الخصر وأسفل الظهر. اضافةً لذلك، فإن النسيج العظمي هو الأساس الداعم للجسم، ويتكون من عناصر الأرض والهواء والفضاء. وكما ذكرنا سابقًا، فإن الخوف والتوتر يستنزفان عنصر التراب، ويزيدان عنصري الهواء والفراغ. يمثل عنصر الهواء الحركة السريعة وعدم الاستقرار. اذا لم نستغل هذه الطاقة للحركة والرقص والتنفس والتعبير، ستتحول المساحة لفجوة ستجعلنا نشعر بالفراغ والضياع والشتات وعدم التجذر. نفس الخلل في العناصر يمكن أن يسبب أرق، وتقلب المزاج، وتشوّش، وعدم القدرة على التركيز، والأكل العاطفي، والإمساك أو الإسهال، وارتجاف، وكوابيس، وتساقط الشعر، وإدمان، وعوارض اخرى.

التوتر في الأيورفيدا يعد ماناس روجا، او مرض ذهني ناجم عن خلل في فاتا دوشا، الكلمة السنسكريتية المستخدمة لوصف التوتر هي ChittodvegaChitta (العقل)، Udvega (ارتجاف، إضطراب). إذا الاكتئاب ناتج عن التفكير المفرط في الماضي، فإن القلق والخوف هم نتيجة التفكير المفرط في المستقبل. يُشخَص التوتر في الأيورفيدا كضعف عصبي، كونه ناتج عن ضعف في الجهاز العصبي، وتحديدًا في العصب المبهم.

ما هو العصب المبهم وما اهميته؟

العصب المبهم او الحائر او العصب العاشر (Vagus Nerve) هو أطول عصب في الجسم. لقد فهمه ممارسي اليوجا والمتنسكين منذ آلاف السنين، وعلموا أن تقوية هذا العصب من خلال ممارسات وتمارين معيّنة، ستمنحهم القدرة على التحكم بالألم والمعاناة على المستوى العقلي والعاطفي والجسدي. من خلال موازنة هذا العصب استطاعوا السيطرة على دقات القلب، وضغط الدم، ودرجة حرارة الجسم، وقوتهم المناعيّة.

عمليّة تقوية العصب الحائر معروفة بعملية التواتر المبهمي (Vagal Toning)، وهدفها تقوية العصب العاشر الذي هو أطول عصب في الجسم، ويتكون من عصبين كبار، كل منهم ينبت من نصف مختلف من انصاف المخ، ويتفرعان إلى جميع أنحاء الجسم وأعضائة. يعمل العصب المبهم كأحد الأعصاب الأساسية في الجهاز العصبي اللاإرادي. الجهاز العصبي اللاإرادي (Autonomic Nervous System) هو الجهاز الذي يتحكم في مدى توتر أو استرخاء الشخص، وينقسم إلى قسمين – الأول يسمى الجهاز العصبي الودي (Sympathetic Nervous System)، المسؤول عن استجابة الجسم للخطر (fight or flight). عندما نواجه تهديد معين، يرسل المخ إشارات إلى الجسم للتنبيه والرد. يرمز للقلب بان يسرع نبضاته، وإلى الرئتين والحجاب الحاجز بأخذ أنفاس سريعة وسطحية، والى العضلات بان تتشنج، وإلى الجهاز الهضمي بالتوقف، فالجسم يسحب تدفق الدم من الأمعاء إلى العضلات كون الهضم غير مهم عندما نحتاج للهروف من خطر أو حيوان مفترس. يحفز الجهاز العصبي الودي ايضًا الغدد الكظرية لإنتاج المزيد من الكورتيزول والأدرينالين، وهما هرمونات التوتر (stress) الرئيسية في الجسم. ونتيجة لذلك، يفرز الجهاز المناعي إشارات الالتهابية داخل الجسم.

الجزء الآخر من الجهاز العصبي اللاإرادي هو الجهاز العصبي السمبتاوي (Parasympathetic Nervous System)، وهو النظام المسؤول عن استجابة الجسم للاسترخاء (rest and digest). العصب المبهم هو العصب الرئيسي في هذا النظام، ويساعد في مقاومة وتخفيف أي ضغوطات في الجسم. فهو يرسل إشارات للقلب بان ينبض بشكل أبطأ، وإلى الرئتين باصدار انفاس بطيئة وعميقة، وإلى الأمعاء بتحسين عملية الهضم، وإلى جهاز المناعة بتقليل إطلاق الإشارات المسببة للالتهابات في الجسم.

يؤدي الخوف والتوتر المزمن إلى نشاط مفرط للجهاز العصبي الودي ولنقص بنشاط الجهاز العصبي السمبتاوي. اثبت العلم ان تقوية العصب المبهم تُحسن الاستجابة للضغط، وتستخدم هذه التقنيات اليوم في الطب لعلاج الاكتئاب والقلق والصرع وغيرها من الحالات النفسية-عقلية. هذه بعض التقنيات البسيطة والسهلة لتعزيز فعالية العصب المبهم وتحسين صحتك:

1. صوت – اصدار أصوات معيّنة ينشط العصب المبهم المتصل بالحبل الصوتي وعضلات الجزء الخلفي للحنجرة.

الأصوات التي تحفز العصب المبهم تشمل الزمزمة او الدندنة (humming) والغناء وصوت الغرغرة بالماء.

 

2. براناياما (تمارين التنفس) – تتجاوب المستقبلات الحسيّة في الرئتين والحجاب الحاجز للنفس العميق والبطيء وترسل إشارات إلى العصب المبهم والدماغ بالاسترخاء. غالبًا ما تُستخدم هذه التقنية قبل أو أثناء التأمل وهي فعالة جدًا، خاصة عند ممارستها باستمرار.

تقنيات البراناياما التي تستهدف العصب المبهم تشمل تنفس أوجايي (Ujjayi)، ونادي شودانا مع حبس النفس (Nadi Shodana)، وبهرماري (Bhramari).

 

3. حركة – أي شكل من أشكال الحركة التي لا تتطلب مجهود كبير ويمكننا خلال ممارستها الحفاظ على التنفس عميق وطويل. مهم ان لا نحتاج لان نتنفس انفاس قصيرة وسريعة عبر الفم أو لان نلهث. تمارين التمدد التي تفتح الصدر والحجاب الحاجز مفيدة جدا.

تشمل أساليب الحركة التي تعمل على تحفيز العصب المبهم اليوجا، والتمدد، والمشي الخفيف، والرقص، والانتفاض (shaking)، وتاي تشي (Tai Chi).

 

4. تعرض للبرد – تعريض الجسم للبرد ينشط العصب المبهم والجهاز العصبي السمبتاوي. هذه الممارسة القديمة معروفة باسم ‘تومو’ (Tummo) وكان يمارسها الرهبان في جبال الهيمالايا لمساعدتهم على التحكم بدرجة حرارة أجسامهم خلال فصل الشتاء، وقد شهرها مؤخرًا شخص باسم Wim Hof. بما أن التوتر ناتج عن تفاقم ڤاتا وهي باردة بطبيعتها، مهم ان نحمي الجسم لكي لا نزيد الخلل عن طريق ممارسة أبهيانغا او التدليد الذاتي بالزيت. ندهن الجسم والرأس بالقليل من زيت السمسم الدافئ قبل الاستحمام بالماء البارد.
يمكن أن نُعرّض الجسم للبرد من خلال حمام بارد، أو مغطس ثلج، أو السباحة في بحيرة أو بحر أو نهر بارد، أو حتى تغطيس الوجه في وعاء ثلج.

 

ممارسات اخرى لتحفيز عصب المبهم:
تدليك الأذن بلطف في التجويف الموجود فوق قناة الأذن
– عن طريق ضغط لطيف حول السرة في وضعية الضفدع (ماندوكاسانا)
النوم العميق
– تناول اعشاب مقويّة للاعصاب
– تناول طعام دافئ ودهني ومغذّي

تمرين كامل لتقوية العصب المبهم وتهدئة الجهاز العصبي. يمكن ممارسة هذا التمرين بشكل يومي او حسب الحاجة.