كريمي، البكتيريا التي تتحكم في صحتك

ذكرت نصوص الايورفيدا القديمة كائنات حية مرئية وغير مرئية معروفة باسم كريمي (Krimi). بالرغم من كونها ميكروبات صغيرة جدًا لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، فقد فهموا انها متواجدة في أطعمة مثل الحليب والزبدة، وفي الماء، وفي التربة، وعلى الأسطح، وعلى الجلد، وداخل الجسم. وذكر أن بعضها ضارة ومسببة للأمراض، وبعضها الآخر مفيد وداعم للصحة. طريقة علاج كريمي روچا (Krimi Roga) او الامراض التي تسببها الجراثيم، يركز بالأساس على تغيير البيئة الداخلية المحيطة للبكتيريا، وليس على محاربة الميكروبات غير المرغوب فيها بشكل مباشر.

قبل آلاف السنين، أدركت الأيورفيدا أن الأمعاء هي مقر العقل، ونحن نعلم اليوم أنه يتم انتاج غالبية الناقلات العصبية داخل القولون، ولهذا السبب نفهم انه من الضروري الحفاظ على توازن ميكروبي، وتأهيل الأمعاء بالبكتيريا الجيدة.

صحة الأمعاء مرتبطة بصحة الدماغ. الامعاء الغليظة هي مقر ڤاتا، واي خلل في توازن ڤاتا له تأثير مباشر على الجهاز العصبي، وقد يؤدي الى تقلبات عاطفية، وتوتر، وقلق، وأرق، وعدم القدرة على التركيز، والتفكير المفرط، وغيرها من الاعراض غير المرغوب فيها. استنتج علاماء الايورفيدا ذلك من خلال التجربة والمراقبة، ولكننا نعلم اليوم بوجود محور الأمعاء والدماغ (gut-brain-axes) وندرك الفوائد الهائلة التي نجنيها من استهلاك البكتيريا الجيدة او البروبيوتيك، ونفهم تأثيرها الإيجابي على الجسم والعقل.

تدرك الأيورفيدا بأن 85% من الأمراض ناتجة عن ضرر في الجهاز الهضمي ولذلك تعطي الأولوية وكامل الأهمية لاصلاحه وتقوية الحرارة الهضمية. حيويتنا وطيلة عمرنا متعلقة بصحة هضمنا. تحمي الميكروبات المعوية بطانة الأمعاء من التلف، وتمنع حالات هضمية معقدة مثل متلازمة تسرب الأمعاء (Leaky Gut Syndrome)، وهي حالة وجود نتوءات في الحيطان المعوية الناتجة عن التهاب، وتتسرب من خلالها جزيئات طعام الى مجرى الدم وقد تسبب تلوث في الدم وتتفاعل مع جينات معينة متعلقة باضطرابات المخ ومرتبطة بتدهور العقل. تزدهر بكتيريا الأمعاء المفيدة في بيئة خالية من الضغط النفسي، والأطعمة غير الصحية، والمواد المسببة للحساسية، والملوثات، والمبيدات الحشرية، ولهذا مهم ان نكون حذرين وان نهتم بصحة غذائنا وصحتنا النفسية.

صحة الأمعاء مهمة جدًا، فأي تغيير في بيئة الميكروبات المعوية، يُغيّر الجسم والدماغ والمزاج. والعكس صحيح، فالتقلبات المزاجية الناتجة عن ضغوطات، أو قلة نوم، أو تغذية رديئة، أو تغيرات في الطقس، ستُغير نوعية الميكروبات والميكروبيوم المعوي لدينا بشكل ملحوظ. ولهذا السبب تحذرنا الأيورفيدا من الاكل عندما نشعر بالحزن أو الغضب، وأن نأكل فقط عندما تكون نفسيتنا مرتاحة وهادئة. تتحكم باكتيريا الأمعاء في رغباتنا وشهواتنا أيضًا! وهذا يُفسر لجوئنا للبوظة والحلويات عندما نشعر بتهيج عاطفي، أو رغبتنا الشديدة للشوكولاتة والتسالي المالحة أثناء العادة الشهرية عندما يكون مزاجنا متقلب وحساسيتنا عالية.

البكتيريا تتغذى على انواع مختلفة من الطعام. بعضها يتغذى على الدهون والبعض الآخر يفضل السكر والنشويات، وهي تأكل ما نأكله. مثلًا، انسان يحب الحلو ويستهلك الحلويات بشكل يومي، ستحتوي امعاءه على عدد كبير من نوع البكتيريا الذي تتغذى على السكر. عندما تشعر هذه البكتيريا بالجوع، ترسل إشارة إلى الدماغ بأن يشير للشخص باشتهاء الحلويات، وبهذه الطريقة تطلب وتحصل على غذائها المفضل. نفهم من ذلك أنه من لا يستهلك الحلويات بشكل كبير، لن يشتهيها او يطلبها بشكل كبير.

تقلل الأطعمة المصنعة التنوع الميكروبي في الجسم بسبب تركيبتها وطعمها المحدود، فهي عادةً ما تكون حلوة، ومالحة ودهنية فقط، وتفتقر للطعم المر او المز، وأي قيمة غذائية للجسم. لإصلاح الميكروبيوم وتعزيز التنوع البكتيري، علينا ان نتجنب الأطعمة المصنعة والمعالجة، والزيوت المهدرجة والسكريات. البكتيريا تحب أن تتغذى على حمض البيوتريك (Butyric Acid)، وهو حمض دهني موجود بكثرة بشكل طبيعي في الميكروبيوم الصحي ويعتبر أفضل غذاء للبكتيريا. أغنى مصدر غذائي لحمض البيوتيريك هو الچي، او السمن البلدي عالي الجودة. بإلإضافة لذلك، فإن التربة العضوية وكل ما ينبت فيها تعتبر مفيدة جدًا للبكتيريا، واستهلاك النباتات الخالية من المبيدات الحشرية يدعم صحة الأمعاء بسبب كثافتها الغذائية واحتوائها على الألياف.

تساعدنا هذه المعرفة على استعادة سيطرتنا على صحتنا، وتغيير جودة حياتنا والتغلب على أي مشكله صحية او مرض من خلال تحسين الميكروبيوم المعوي لدينا عن طريق تغذية سليمة ونمط حياة داعم لصحة الجسم والعقل، فأجسامنا وخلايانا قابلة للتغيير ويمكننا اعادة بناء وترميم حالتنا الفيزيولوجية والنفسية من خلال تعديل وتعزيز التعدد الميكروبي داخل الامعاء واصلاح جهازنا الهضمي.

رئـــــه

عيادة ايورڤيدا اونلاين للصحة الشاملة ولرفاهية الذات

بإدارة يارا اشقر

تواصل معي

rea.ayurveda@gmail.com

Copyright © 2022 REA. All Rights Reserved | Privacy Policy | Terms & Conditions